المقالة الأولى
تعليقات على مقالة الباء ممّا بعد الطّبيعة لأرسطو
تعليقات لطفي خيرالله
نصّ المقالة (نقل اسطات، القرن الثّالث للهجرة)
< بسط الشّكوك>
إنّا لمضطرّون أن نتصفّح أوّلا المسائل الغامضة الّتي ينبغي لنا أن نذكرها في العلم المطلوب هاهنا، وهي الّتي ظنّ قوم فيها ظنونا مختلفة وغيرها ممّا غفلوا عنها، فإنّ أوّليّة فعل الّذين يريدون درك علم الأشياء ومبدأها شدّة الفحص عن المسائل الغامضة لأنّ الدّرك الّذي من بعد هو حلّ المسائل الغامضة الّتي من قبل، ولا يقدر أن يحلّ من جهل الرّباط ونكول الفهم يدلّ على أنّ هذا هكذا لأنّه إنّما يصيب النّاكل شبه ممّا يصيب الموثوق رباطا ولن يقدر النّاكل الفهم ولا الموثوق رباطا أن يصيّرا قدما ولذلك ينبغي أن نفحص أوّلا عن جميع المستصعبات لما قلنا، ولأنّه من طلب معرفة شيء من قبل أن يفحص أوّلا عن غموضه يشبه الّذين جهلوا مواضع أقدامهم على سواء السّبيل، ومع هذا إنّ من لم يعلم المطلوب لا محالة لم يعرف إذا أصيب، فغاية الّذين لا يفحصون عن الغوامض ليست معروفة، وغاية الّذين يفحصون عنها واضحة معروفة، ومن الفضل أن يكون عند سامع جميع أقاويل المدّعين والمنكرين قضايا مضطرّة مقنعة.
وأوّل مسألة من المسائل الغامضة هي الّتي سألنا عنها في صدر هذا الكتاب: (1) هل النّظر في جميع أجناس العلل لعلم واحد أم لعلوم كثيرة؛ (2) وهل للعلم النّظر في مبادئ أوائل الجوهر فقط أم له أن ينظر أيضا في الأوائل الّتي منها يكون برهان كلّ شيء، كقولنا هل يمكن الشّيء الواحد أن يكون موجبا وسالبا معا أم لا يمكن ذلك، وأشباه ذلك مثل هل المساوية لشيء واحد متساوية؛ (3) وإن كان للعلم النّظر في الجوهر هل ذلك العلم علم واحد لجميع الجواهر أم علوم كثيرة؛ وإن كانت علوما كثيرة، هل جميعها متناسبة في الجنس أم ينبغي أن يقال لبعضها حكمة ولبعضها شيء آخر؛ (4) وأيضا باضطرار ينبغي لنا أن نطلب هل ينبغي لنا أن نقول أنّ الجواهر هي المحسوسات فقط، أو نقول أنّ جواهر أخر غير هذه المحسوسات؛ وهل للجواهر جنس واحد أو لها أجناس كثيرة مثل ما قال الّذين أدخلوا الصّور والتّعاليم الّتي فيما بين هذه وبين المحسوسات، فإنّه ينبغي لنا أن نفحص عن هذه الأشياء كلّها كما قلنا؛ (5) وأن نفحص هل النّظر هاهنا في الجواهر فقط أم في الأعراض أيضا من دون الجواهر؛ ومع هذا أيضا ينبغي لنا أن نفحص عن الّذي هوهو بعينه، وعن الّذي هو غير، وعن الشّبيه، وعن غير الشّبيه؛ وعن المتضادّة؛ وعن الّذي قبل، وعن الّذي بعد؛ وعن جميع الأشياء الأخر الّتي تشبه هذه ممّا يفحص عنه المنطقيّون الّذين صيّروا أراءهم من الآراء المرضيّة الشّريفة فقط، ولمن يجب عليه النّظر في جميع هذه؛ وأيضا ينبغي لنا أن نفحص عن جميع الأعراض الّتي تعرض لجميع هذه الّتي ذكرنا؛ وأن نفحص عن كلّ واحد من هذه ما هو، وليس عن ذلك فقط، بل هل يضادّ بعضها بعضا؛ (6) وهل الأوائل والأسطقسات هي الأجناس على حدتها، أم هي بالمنفردات الّتي تنقسم فيها؛ (7) وإن كانت أجناسا، فهل الأجناس الّتي تقال على الأشخاص هي الأجناس الأوّل، أم هي الأخيرة كقولنا هل الحيوان أم الإنسان أوجب أوّليّة من أشخاصها المفردات، أم لا؛ وأيضا ينبغي لنا أن نكثر الفحص والطّلب هل من علّة أخرى على حدتها سوى الهيولى أم لا؛ (8) وهل هذه العلّة مباينة للهيولى أم لا؛ وهل هذه العلّة واحدة بالعدد أم كثير؛ وهل شيء غير الكلّ، وأعني بالكلّ الّذي به تنعت الهيولى، أم ليس شيء غيره، أم في بعض الأشياء شيء غير الكلّ، وفي بعضها لا، وما هذه الأشياء من الموجودات؛ (9) وأيضا هل الأوائل محدودة بالعدد أم بالصّورة وبالكلام وبالموضع؛ (10) وهل أوائل الأشياء الفاسدة هي أوائل الأشياء الّتي لا تفسد، أم أوائلها مختلفة، وهل جميع الأوائل لا تفسد، أم إنّما تفسد أوائل الأشياء الفاسدة؛ (11) وأيضا ينبغي أن نفحص عن المسألة الّتي هي أغمض من جميع هذه المسائل، وأعضل، هل الواحد والّذي هو بعينه جوهر الهويّات، وليس هو شيء آخر كما قال أصحاب فيثاغوراس وأفلاطون، أم لا، بل هو شيء آخر موضوع كما قال ابن دقليس، المحبّة، وقال غيره النّار، وآخرون قالوا الماء والهواء؛ (12) وهل الأوائل كلّيّات أم هي مثل مفردات الأشياء الجزئيّة؛ (13) وهل بالقوّة أم بالفعل؛ وأيضا هل هي أوائل بنوع آخر أم هي أوائل بالحركة، فإنّ هذه المسائل معضلة مبهمة جدّا؛ (14) ومع هذا ينبغي لنا أن نفحص هل العدد والطّول والشّكل والنّقط جواهر أم لا، وإن كانت جواهر، فهل هي مباينة للمحسوسات أم هي فيها، فإنّه ليس الصّعوبة في درك حقيقة جميع الأشياء فقط، بل ليس بهيّن أن نسأل عنها على غموضها بالكلام نعمّا.
< الشكّ الأوّل والثّاني والثّالث والخامس والرّابع.>
(1) فلنقل الآن أوّلا على ما ابتدأنا به من مسألتنا هل النّظر في جميع أجناس العلل لعلم واحد أم لعلوم كثيرة، وكيف يمكن لعلم واحد أن يعلم الأوائل الّتي ليست بمتضادّة، فمعلوم أنّ كثيرا من الأوائل ليست لكثير من الهويّات لأنّا لا نقول بأيّ نوع يمكن أن يكون ابتداء الحركة في الأشياء الّتي لا تتحرّك، وكيف تكون طبيعة الخير في جميع الأشياء الّتي لا تتحرّك، إن كان كلّ ما هو خير بذاته وطبيعته غاية وتماما، وهو بهذا النّوع علّة لأنّ الأشياء الأخر تكون بسببه، فإنّ الغاية والّذي بسببه يكون شيء آخر هو تمام لشيء من الأفاعيل، وجميع الأفاعيل تكون بحركة، فمعلوم أنّه لا يمكن أن تكون هذه العلّة في الأشياء الّتي لا تتحرّك حركة نحو الاستكمال، ولا يكون فيها شيء خير بذاته، ولذلك لا يكون في العلوم التّعليميّة إيضاح شيء من الأشياء بهذه العلّة، ولا يكون بها برهان البتّة لا لأنّها أفضل ولا لأنّها أخسّ، وفي الجملة إنّه لا يدرك أحد من النّاس شيئا مثل هذه العلّة البتّة في العلوم التّعالميّة، ولذلك كان أناس من السّوفسطائيين يرفضون هذه العلّة مثل ما فعل ارسطفوس، فأمّا في المهن الأخر والصّناعات الدّنيّة مثل النّجارة وصناعة الأساكفة، فهناك يقال أفضل وأدنى، ولا يفحص أهل هذه الصّناعة البتّة عن الأشياء الجيّدة والرّديّة، فمعلوم أنّ علوم العلل كثيرة، ولكلّ علّة أوّليّة مبدأ علم آخر، فينبغي لنا أن نطلب أيّ علم من هذه يستأهل أن يسمّى حكمة، وأيّ عالم بشيء من العلوم يستأهل أن يسمّى حكيما، فيعرف الشّيء الّذي نلتمسه هاهنا، فإنّه لا يمكن أن تكون أنواع جميع العلل لشيء واحد مثل ما هي للبيت، فإنّ علّة البيت الّتي منها الحركة هي المهنة والبنّاء، والعلّة الّتي من أجلها البيت هي العمل، وهيولى البيت الطّين والحجارة، وصورة البيت حدّه؛ فعلى قدر ما فصّلنا وقلنا أيّ علم من العلوم ينبغي أن يسمّى حكمة يجب أن يسمّى كلّ علم حكمة؛ فأمّا الحكمة العالية المتقدّمة الفائقة الّتي بقيّة العلوم تابعة معترفة لها، فواجب أن يكون علم علّة التّمام والخير، فإنّ بقيّة العلل هي بسبب هذه العلّة، وقد قلنا أوّلا إنّ حكمة العلل الأوّل والشّيء المعلوم جدّا هو علم الجوهر، فإنّ الشّيء يعلم بأنواع كثيرة، وأكثر ما يعرف به من جوهره، وإذا أردنا أن نعرف كلّ واحد من الأشياء الّتي لها برهان، فإنّا نظنّ أنّا نعرفها إذا نحن علمنا ماهي كقولنا ما التّربيع؟ فنقول إنّ التّربيع وجود الوسط، وكذلك سائر الأشياء، فأمّا الأكوان والأفاعيل وكلّ تغيّر فإنّما نعرفها إذا عرفنا ابتداء الحركة، وهذه العلّة هي غير علّة التّمام ومخالفة لها، فمعلوم أنّ لمعرفة كلّ واحد من هذه العلل، علم آخر.
(2) وأيضا هل أوائل البرهان لعلم واحد أو لعلوم كثيرة مشتبه مشكوك فيه، أعني بأوائل البرهان ما أخذ من الآراء العاميّة الّتي منها يصير التماس البرهان على كلّ شيء كقولنا بالاضطرار تكون كلّ مقدّمة إمّا موجبة وإمّا سالبة، ولا يمكن أن يكون الإثبات والنّفي جميعا معا، وسائر المقدّمات الّتي تشبه هذه، فنحن نفحص أن نعلم هل علم هذه الأوائل وعلم الجوهر واحد، أم علم هذه الأوائل غير علم الجوهر، وإن لم يكن علمها واحدا، فأيّ علم منها ينبغي أن يسمّى باسم العلم المطلوب حيننا هذا، فإنّه ليس بواجب أن تكون جميع الأشياء لعلم واحد﴿ولِمَ يكون أمر الفحص عن هذه الأوائل إلى علم المسح، ولا يكون إلى علم من العلوم الأخر؟ فإنّه إذا كانت كلّ العلوم إنّما تأخذ أوائل البرهان، فليس علم الجواهر بأحقّ من سائر العلوم في أن يفحص عنها﴾**ومع هذا بأيّ نوع يكون لهذه الأشياء علم واحد، فإنّا قد نعلم الآن كينونة كلّ واحد منها وسائر العلوم تستعملها كالمعرفة المعلومة فإن كان لها برهان، فينبغي أن يكون لها جنس من الأجناس موضوع لها، وأن تكون بعضها ألأم، وبعضها أراء عاميّة بيّنة، فإنّه لا يمكن أن يكون لجميع الأشياء برهان، لأنّه باضطرار أن يكون برهان من بعض الأشياء ولبعضها، أو لواحد منها، فمعلوم أنّه يعرض أن يكون جنس موضوع واحد لجميع الأشياء الّتي لها برهان لأنّ جميع أصناف البرهان تستعمل الآراء العاميّة الواضحة، وأيضا إن كان علم الجوهر غير علم أوائل البرهان، فأيّ علم من هذه العلوم هو المتقدّم على غيره بالشّرف والفضيلة، وأيّ الّذي منها الثّابت بطباعه، فإنّ الآراء العاميّة في الجملة هي أوائل جميع العلوم، فإن لم تكن معرفة هذه الأوائل للفيلسوف، فلمن تكون إذا؟
(3) ﴿ولسائل أن يسأل وبنوع عامّ، هل إنّ علم الجواهر كلّها علم واحد أم علوم كثيرة، وإن كانت علوم كثيرة، فالعلم المطلوب في أيّ جوهر من الجواهر ينظر؟ إن قيل إنّ علم الجواهر كلّها علم واحد، لحقت الشّناعة﴾** فإنّ لجميع الأعراض علما واحدا من علوم البرهان، إذ كان كلّ برهان من الآراء العاميّة يعلم الأعراض المفردة في شيء موضوع، فمعلوم أنّ علم البرهان إنّما يعرف من الآراء العاميّة الأعراض المفردة الّتي تعرض لجنس واحد لأنّه إن كان لعلم واحد معرفة الشّيء إنّه، ولعلم آخر المعرفة من أيّ الأشياء ذلك الشّيء، وذلك هو إمّا علم البرهان، وإمّا علم آخر غيره، فمعلوم أنّ معرفة الأعراض إمّا لعلم البرهان الكليّ، وإمّا لصنف واحد من أصناف البرهان.
(5) وأيضا نفحص أن نعلم هل لهذا العلم المطلوب حيننا هذا النّظر في الجواهر فقط، أم له النّظر أيضا في الأعراض الّتي تعرض لهذه الجواهر كقولنا إن كان الجرم جوهرا من الجواهر وخطوطا وسطوحا، هل معرفة هذه الأشياء ومعرفة الأعراض الّتي تعرض لكلّ واحد من الأجناس الّتي توضّحها العلوم التّعاالمزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |